تونس : المسيرة الشاملة
لاول مرة في التاريخ استطاع بلد صغير مثل تونس أن يتحرر ، معتمدا فقط على وسائله المتواضعة دون سواها ، أي على سواعد ابنائه وعقولهم . وما أن تم الاعتراف بالاستقلال ، حتى اسندت اولوية الأولويات الى بعث الوعي القومي في النفوس ، وخلق نوع جديد من العلاقات بين التونسيين ومن اجل الحفاظ على تراثنا البشري ، وتحسينه ، كان علينا ان نعيد في كل مكان ، بناء المجتمع ، عسى ان يتضافر عمل الحكومة ، عمل الحزب الدستوري الجديد ، الذي اسسته عام 1934، وعمل المنظمات القومية التي تضم شتات العمال ، واصحاب الصناعات والفلاحين والتجار والطلبة والشباب والهيئات النسائية وقد سعيت ما وسعني السعي لاقرار حياة اجتماعية نشيطة حثيثة : وهكذا دفعت بالبلاد في قفزة عارمة : ففى كل مكان تتعزز الرغبة التعلم والخلق والابداع والتغيير ، ويتبدل وجه المدن والقرى والارياف وهذا التجديد يهتدي بهدى الحزب الدستوري الجديد ، أي انه يصدر عن عقلية عصرية ، ويعتمد اسلوبا ليس للناس به عهد ، ومع ذلك فكلاهما تونسي اصيل.
ذلك أن عملنا الحالي انما هو امتداد ونتيجة لنضال طويل النفس . لقد كان علينا ، طيلة أحقاب ، وحتى قبل الاستقلال ، ان نخلق المناخ الملائم للتغيير ، وان نوفر الاسباب الضرورية لما ثورة حقيقية ، في كنف الهدؤ والاطمئنان
انني اكافح منذ نصف قرن ، من اجل النهوض بالانسان . وفي سبيل ذلك أفنيت شبابي وكهولتي ، وضحيت بكل شيء . ولا تزال الجذوة حتى اليوم متقدة في اعماق نفسي ، تدفعني الى مواصلة الجهد والمثابرة بكل ما لدى من طاقة ولئن اشتعل رأسى شيبا ، ورق عظمى ، فان هذا الجسد رغم ما اصابه من الاعياء والارهاق ، لايزال كما كان غير هياب للصعاب ، صامدا كالرواسي ، حتى آخر نفس من انفاسي
الحبيب بورقيبة ( 19 جوان 1973 )













